|
جبهة الخلاص الوطني في سورية في سنتها الأولى
17-3-2006
بقلم: د. نصر حسن
-
كاتب وباحث سوري مقيم في المنفى
إن ولادة جبهة الخلاص الوطني في سورية في هذه المرحلة الحرجة
من تاريخ الشعب والبلاد شكلت تعبيراً عن حركية وحيوية المعارضة
السورية وتطور نوعي في عملها عبر الإقرار بالنهج الديمقراطي
التعددي الذي هو مطلب الجميع على المسرح السياسي السوري وعكست
تمسكاً بصيغ الحوار المفيد المنتج واحترام إرادة كل أطراف
العمل الوطني هادفةً إلى تطويره ليكون محركاً جامعاً للعمل
الوطني باتجاه واحد واضح نحو التغيير والحفاظ على الهدف السامي
وهو إنقاذ سورية من محنتها التي وصلت أخطر أطوارها، وعبر خطاب
عملي يتجاوز الكلام إلى الفعل لإسقاط الاستبداد وإنقاذ سورية
من الدائرة الملتهبة التي أوصلها النظام لها وإطفاء الحريق
الذي أشعله طويلاً لإحراق سورية كلها بمن فيه!
جبهة الخلاص الوطني هي معايشة للواقع وتحسس تناقضاته وفهم
حركته ومعاناة الشعب وهمومه ومشاكله وحرصاً على تجاوز سلبياته
وتصحيحاً لانحرافاته ورفضاً للظلم والظلام وامتهان كرامة
الإنسان وتحديد الإتجاه الصحيح والطريق المستقيم والتحرك
بعقلانية نحو تحقيق هدف التغيير الديمقراطي.
ولاشك أن جبهة الخلاص الوطني هي مرحلة متطورة في مسيرة
المعارضة الوطنية السورية الطويلة في صراعها ضدالاستبداد،
والجديد فيه هو تبني النهج الديمقراطي التعددي الذي يعتبر نقلة
نوعية في الوعي
الوطني، نقلة أرضيتها التمسك الواعي بالثوابت الوطنية ورفض
التدخل الخارجي والإعتماد على التغييرالوطني الذاتي المستقل عن
تقاطع المصالح الخارجية المضرة بالبلاد،نقلة عبرت عن وحدة
المعارضة في الداخل والخارج المكمل لما عبر عنه إعلان دمشق،
والجديد العملي والمفيد هوالتوافق والإجماع على البرنامج
التنفيذي للمشروع الوطني للتغيير الذي جاءت به جبهة الخلاص
الوطني والذي يحدد الآلية العملية المرنة والآمنة للتغيير من
الاستبداد إلى الديمقراطية وتجنيب البلاد الفوضى والتمزق،
الخيار الوحيد الذي يصرالنظام على السير فيه لتعميم خوفه على
الجميع.
وبالمقابل ليس جديداً على العمل الوطني أن تستنفر كل مخالب
الذين يعملون في الظلام وتقفز بسرعة على كل تطور في عمل
المعارضة الوطنية، مصرين على قطع الطريق على القوى الحية التي
تعبر عن وجه سورية الحقيقي، والمراهنون على تطويع الشعب
والمعارضة والوصول بهما إلى الرضوخ بقبول الاستبداد وبعض
إفرازاته والتأقلم معها، وواهمون بأن الوطن أصبح إرثاً أبدياً
على امتلاكه يتبادلون..!
لقد حرصنا ونحرص دائماً على أن تكون المصلحة الوطنية ومحاربة
السلوك المنحرف والتمسك بالمطلب الديمقراطي هي المقياس الذي
يؤشر صدق النوايا وسلامة النهج ووضوح الإنتماء في حين حرص
الآخرون على أن تكون المصلحة الفردية واللونية وخدمة الاستبداد
وتثبيته والمحافظة عليه هو عمق تفكيرهم ونهابة أهدافهم
ومآربهم...!
إن بعض السهام الطائشة والخائفة والمحكومة بدرجة عدم حبها
للوطن بل الحقد عليه لن تستطيع أن توقف التحرك الوطني لجبهة
الخلاص، والبعض الآخر المحشور سياسياً في نفق الاستبداد والذي
جاء نقده لجبهة الخلاص الوطني اقراراً بصحة نهجها وسلامة
برنامجها ووضوح هويتها، وبعض الذين فتح لهم النظام دكاكين
للسلبية والإنحراف عن القيم الوطنية والعبث بمصير شعب ووطن هم
نفسهم الذين حاصروا بعقدهم خاسرين (إعلان دمشق) وحاولوا فاشلين
أن يجعلوا منه مناظرة لغوية نحوية بين نقاط وفواصل وحروف
وكلمات ليحرفوه عن الطريق الذي رسمه، كل هذا لم يمنع من أن
يكون الإعلان مساهمة جدية في الحراك السياسي الوطني ودفع مهم
له في الطريق الوطني الصحيح.
جبهة الخلاص الوطني تريد وتعمل وتدعو الجميع لإنقاذ سورية من
عبث النظام ومعه بعض الأصوات التي تحاول خلط الأوراق في مسيرة
المعارضة الوطنية،تلك الأصوات النشاز التي تحاول أن تصبغ
الوليد الجديد بلونها البغيض المرفوض من الخط الوطني لكنها
بحكم تاريخها الأسود المعروف وطنياًتقف عاريةً أمام نفسها
وأمام الشعب في سورية.
قالتها جبهة الخلاص بوضوح وصوت مرتفع: الديمقراطية أولاً
والحوار ثانياً والعقلانية ثالثاً واحترام إرادة الآخرين رابعا
والإستقلال والتمسك بالثوابت الوطنية خامساً والإستعداد
للتفاعل سابعاً ورفض التلوين ثامنا والتمسك بالإنتماء لسورية
تاسعاً والشجاعة والتضحية في وجه الاستبداد عاشراً، الشعب
يتطلع إلى طي صفحة الاستبداد أولاً وأخيراً وإعادة سورية وطناً
حراً مستقلاً لجميع أبنائه.
ومن البديهي أيضاً أن (جبهة الخلاص الوطني) ليست حزباً وليست
نقيضاً ولا بديلاً لأي من أطراف المعارضة،بل مكملاً وفعلاً
وطنياً معززاً لتسريع العمل باتجاه إنقاذ البلاد وأبوابها
مفتوحة للجميع، ولا أحد يملك الحق بالوصاية على العمل الوطني
ولا نعلم أن هناك مؤتمرقمة لكل فصائل المعارضة أقر حقاً
واعترافاً وأعطى تفويضاً بأن هذا الفصيل وذاك هو الممثل الشرعي
والوحيد للمعارضة السورية وأخذعلى عاتقه رسم الحدود لحركة هذا
الفصيل أوذاك،وبناء السدود بين أبناء الوطن ووضع الحواجز
والقيود غير الوطنية التي تعيق تحرك الجميع من الوصول إلى
الهدف الوطني الديمقراطي المنشود...!
وعليه ليس خافياً على أحد أن جبهة الخلاص الوطني فيها مكونات
الشعب السوري كله وقد يكون حكمت علاقة بعض أطرافها مع بعضها في
الماضي بالسلبية والبعد عن الآخر وهي إذ تلتقي اليوم وعبر إطار
عمل جبهوي هدفه التغيير على أساس المطلب الديمقراطي والإتفاق
على المشروع الوطني للتغيير الذي يعتبر توافقياً مطلب جميع
أطرافها لكن هذا لايعني أن تلغى البرامج الوطنية لكافة
مكوناتها إذ لكل طرف برنامجه الداخلي على مستوى بناء سورية
الجديدة يكون الحكم فيه هو صندوق الانتخاب الحر النزيه، وعليه
إن كافة أطراف الجبهة لها الحرية كاملةً في التعبير عن آرائها
السياسية وهذه هي الملامح الديمقراطية في خطاب الجبهة الجديد
الذي يجب أن يؤسس لعلاقات جديدة مبنية على التنافس الديمقراطي
المطلوب نشره وتعميقه على مساحة الوطن كله، المهم في الموضوع
هو الحرص على تنمية الشعور بالحاجة إلى الممارسة الديمقراطية
البناءة والحرص عليها التي تنتج بديلاً وطنياً للنظام
الاستبدادي في سورية.
وليس جديداً بل من مرتبات البديهيات هو أن شرعية أي طرف وطني
هي في شرعية مطالبه وأهدافه وعمقه الشعبي وارتباطه الوطني
أولاً وفي تمثيله لكل مكونات المجتمع في سورية ثانياً، وفي
برنامجه الآمن الذي يعتمد على التغيير الديمقراطي السلمي الذي
يجنب البلاد الفوضى التي يؤسس لها النظام ثالثاً، وفي اعتماده
على إسقاط الاستبداد وإقامة البديل الوطني الديمقراطي التعددي
رابعاً، وبناء الدولة المدنية التي يتساوى فيها المواطنون في
الحقوق والواجبات خامساً، والإحتكام إلى أساليب العمل
الديمقراطي وصندوق الانتخاب الحر النزيه سادساً، ومعالجة كل
المشاكل الوطنية التي أفرزها الاستبداد على أرضية القانون الحر
العادل النزيه وقطع الطريق على الثأر والإنتقام والمعالجات
الفردية المضرة بوحدة الشعب سابعاً، والإستقلالية في العلاقة
مع المحيط الدولي والإقليمي وعدم الإنجرار إلى مواقف مضرة
بمصلحة البلاد ثامناً، وفي قدرة الجبهة على الخلاص السلس من
الاستبداد والمباشرة ببناء سورية الجديدة الحرة الديمقراطية
أخيراً.
وفي سنة من عمر جبهة الخلاص الوطني في سورية كانت حافلة
بالأحداث الخطيرة التي تعيشها سورية والمنطقة استطاعت جبهة
الخلاص الوطني القيام بدور محوري خلاصته:
أول - تثبيت الهوية الوطنية الديمقراطية للمعارضة السورية
والإنتقال بها إلى شكل مؤسسي قانوني.
ثاني - رفع مستوى الشعور بالمسؤولية الوطنية لدى كافة أطراف
المعارضة والتخلي عن الصراعات البينية والتفاعل لإنتاج البديل
الوطني الديمقراطي المستقل.
ثالث - اشتراك الحركة الوطنية الكردية في مؤسسات الجبهة
والمساهمة الجدية في تأسيس البديل الديمقراطي
رابعاً - محاورة المجتمع الدولي والإتحاد الأوروبي تحديداً حول
توضيح معاناة الشعب السوري وانتهاك حقوق الإنسان في سورية
والضغط برفع الغطاء عن النظام ومد جسور التعاون مع الشعب
السوري.
خامس - تثبيت مؤسسات الجبهة وهيكليتها التنظيمية واتباع أسلوب
التطوير المستمر في أدائها.
سادساً - تنامي التأييد الشعبي على مستوى سورية عبر التواصل
اليومي مع الشعب داخل سورية.
سابع - بناء علاقات خارجية على المستوى العربي والدولي على
أرضية رفع الغطاء عن النظام ومساعدة الشعب السوري بالتخلص من
الاستبداد والتأسيس لبناء الديمقراطية في سورية.
لاشك أن أمام جبهة الخلاص الوطني هدف وطني كبير وهو التغيير
الوطني الديمقراطي السلمي في سورية وهو هدف تدرك الجبهة أنه
يحتاج إلى جهود جميع أبناء سورية المخلصين ومعهم كل أحرار
العالم لتفعيل العمل ونقله إلى حيز الفعل على الأرض في داخل
سورية ليكون الشعب هو رائد مسيرة التغيير والقضاء على الصفحة
السوداء في تاريخ سورية الحديث.
كلمة أخيرة للاستبداد ومن معه ومن يطبل ويزمر له ومن لايزال
واهماً بأن الزمن توقف في لحظة الاستبداد ومن يعمل ليل نهار
على شحنه بقوة إضافية وتبرع ليكون عكازاً له نقول: يقيناً أن
الاستبداد في أيامه الأخيرة وهذه حقيقة يجب أن يفهمها ويتعايش
معها ويرتب أموره على أساسها جميع المعنيين به، حالة الرحيل
والهرب والعويل والندب، تفرضها حالة النظام الموضوعية على
الأرض والتي تعكسها عزلته الداخلية والعربية والدولية
والاعتقالات الطائشة التي طالت كل أبناء الشعب والكثير من
النشطاء السياسيين ولجان المجتمع المدني وحقوق الإنسان
والمثقفين والطلاب، وتعكسها الحالة الإقتصادية التي لامست حدود
الإهانة الإنسانية، وتعكسها حالة الخوف الذي يضغط على صدر
النظام من عقاب جرائمه ومن المحكمة الدولية والذي سيدفعه إلى
المساومة أكثر فأكثر والبطش في البداية والقفص في النهاية.
المصدر:
أخبار الشرق
أعلى
|