الإجابة على هذا السؤال لا زالت في إطار التشكيل من قبل كل
الأطراف الداخلية والخارجية التي لها مصلحة في التغيير
الديموقراطي في سورية، التشكيل الذي تتجاذبه أكثر من قوة
وتتقاطع عنده الكثير من الحسابات الداخلية والخارجية، ويؤثر
فيه أكثر من عامل ويقوده أكثر من فصيل والنظام السوري أصبح
خارج المعادلة السياسية الداخلية والخارجية منذ زمن ليس بقصير
واستمراره في الحكم بهذه العزلة على أغلب الظن هو انتظار قصير
لوصول الأطراف المعنية بعملية التغيير إلى اتفاق معين يمثل
مشروع وبرنامج وآلية التغيير الديموقراطي السلمي في سورية.
وهنا يجب التركيز على كلمتي الديموقراطي والسلمي تثبيتاً
لمضمون مؤسسي ومنعاً لانهيارات وليس تكراراً مملاً للكلمات ..
تركيز هدفه الأمن والأمان والاطمئنان وليس استمرار حالة
الاحتقان الوطني والاجتماعي والسياسي والطائفي التي أوصل
الاستبداد سورية إليها ولا يملك أحد القدرة للسيطرة عليها، ولا
أحد يدري إن انفجرت أين ستكون نهاياتها .. تركيز هدفه تطمين
الشعب بأن القادم هو أفضل من الحاضر وأفضل هنا لها دلالاتها
العامة على نسيج شعب ووحدة وطن وقيمة مواطنة لم يكن الاستبداد
يعرفها أو يكن لها أي احترام وتقدير.
والمعروف المتفق عليه مباشرةً وصراحةً أو ضمنياً من قبل كل
أطراف العمل الوطني التي هي امتداد للشعب السوري هو أن التغيير
القادم تغيير وطني ديموقراطي سلمي يعتمد على الشعب السوري
أولاً وأخيراً وأن التقاطع مع العوامل الخارجية هو في النقطة
التي تحفظ مصالح الشعب ووحدته ووحدة البلاد. وبكل الأحوال ليس
معزولاً عن تداخل بعض الحسابات الخارجية، الحسابات التي تعكسها
لعبة المصالح والعلاقات الدولية المشروعة والمعروفة لدى كل
تغيير حدث ويحدث في الدنيا، لكنه هو استحقاق داخلي قبل كل شيء
ولم يسجل جدول تغييرات أنظمة الحكم في سورية والبلاد العربية
والعالم تغييراً معزولاً عن حركة الأحداث ويتيماً ليس له أب
ولا أم.
وقد يكون البطء في التنفيذ الميداني لعملية التغيير هو أن
حوامله وطنية داخلية تعمل بوضوح على إبعاد شبح التغيير المحمول
على قوى خارجية والذي يلعب على وتره النظام سلباً وعبثاً،
ويعيشه الشعب خوفاً درامياً من الصور المؤلمة التي أفرزها
التغيير غير المبني على استحقاقات داخلية صرفة في العراق، وهنا
نريد أن نوضح بشكل عابر أن التغيير هو ضرورة تحددها حالة
المجتمع ورغبته ومصلحة أفراده وبالتالي نوع آليته ومستقبل
هدفه، قبل أي اعتبار آخر خارجي.
والواضح أن جبهة الخلاص الوطني وإعلان دمشق يلتقيان في نقطة
مفصلية منهجية وهي الإقرار بالتغيير الديموقراطي السلمي في
سورية، وهذا أيضاً مطلب عام لكل دعاة التغيير خارج هذين
الفصيلين على ساحة العمل الوطني، ويفترقان في نقطة إجرائية وهي
الموقف من النظام في عملية التغيير، نقطة تفرضها طبيعة العمل
السياسي المعارض للنظام في ظله، وهذا واقع له حساباته
الميدانية وهي معروفة لدى كل الأطراف، وتأخر العمل الموحد هو
إفراز هذا الواقع التي تعيشه امتدادات جبهة الخلاص الوطني
وإعلان دمشق وكل فصائل المعارضة في الداخل والتي هي تحت مطرقة
الاستبداد بشكل مباشر، وعملية الاعتقالات المستمرة والتضييق
على النشطاء السياسيين والمثقفين ولجان إحياء المجتمع المدني
ومنظمات حقوق الإنسان هي جزء من فاتورة حركة التغيير التي
يدفعها الشعب السوري.
وحتى لا نبتعد كثيراً عن السؤال الأساسي والمنهجي أعلاه نطلب
من جميع أطراف العمل الوطني المشاركة بالإجابة عليه، لكن
بصراحة ودون مواربة وبدون اتباع سياسة الأبواب النصف مغلقة
فيما بينها والنصف مفتوحة بين البعض وبين النظام، وبين القليل
القليل من البعض وبين الخارج، الإجابة هو المشاركة في تحديد
مشروع وآلية وهدف التغيير الذي ينادي به الجميع وهناك الكثير
من اللغط والخلط والملابسات التي يعومها النظام وأدواته ويحاول
أن يدفع بها لإشاعة الخوف على ساحة المعارضة والشعب معاً في
سورية.
على أن تحديد حوامل التغييير الوطني الديموقراطي في سورية هو
المؤشر المباشر عن أبعاد وأهداف عملية التغيير، أحد هذه
الحوامل الأساسية هي جبهة الخلاص الوطني، وإعلان دمشق وهناك
حوامل أخرى أساسية لا زالت بحكم ظروفها تعمل في الظل، ومن
الضروري هنا النظر إلى الموضوع بحوامله الداخلية التي هي
المعنية ويقع على عاتقها القيام بعملية التغيير بشكل كامل، وقد
يكون المشروع الوطني الذي تبنته جبهة الخلاص الوطني أحد
الحوامل العملية لأنه يعبر عن خلاصة رؤية التيارات السياسية
التي تشكل عامة المجتمع ويمثل وضوحاً في أسس التغيير وآلياته
وشكله وزمنه، والأهم من كل هذا هو محتواه الوطني والسياسي
والاجتماعي الذي يعكس وحدة المجتمع وتطلعه إلى دولة مدنية
حديثة، سرقها الاستبداد يوماً من أبنائها، وهذا أوشك أن يصبح
شيئاً من الماضي.